فبعد اعتقال مسؤول سابق في وكالة الاستخبارات المركزية بحوزته 300 سبيكة ذهبية بقيمة 40 مليون دولار، فاجأ الرئيس دونالد ترامب الجميع بمطالبته بتدقيق احتياطيات الذهب الأميركية المخبأة في حصن “فورت نوكس”، حيث يُعتقد أن الموقع يحوي أكثر من 147 مليون أونصة بقيمة تتجاوز 661 مليار دولار وفق الأسعار الحالية. المقلق أن آخر عملية تحقق رسمية من وجود هذا الذهب تعود إلى عام 1974، أي قبل أكثر من 50 عاماً، مما أثار شكوك ترامب وإيلون ماسك والعديد من السياسيين، رغم تأكيدات وزارة الخزانة بإجراء مراجعات دورية.
على الجانب الآخر، حققت الأسهم الأميركية مكاسب مذهلة بلغت 5 تريليونات دولار في ثلاثة أشهر فقط، متجاهلة حرب إيران ومخاوف التضخم، لترتفع قيمتها السوقية إلى حوالي 79 تريليون دولار — وهو ما يعادل حجم اقتصادات قارتي آسيا وأوروبا معاً. وبنوك كبرى مثل جيه بي مورغان تتوقع ارتفاع مؤشر S&P 500 بنسبة 22 بالمئة، ومورغان ستانلي بـ12 بالمئة، وغولدمان ساكس بـ7 بالمئة، مدعومة بأسهم الذكاء الاصطناعي وأرباح التكنولوجيا القوية. أما في آسيا، فاحتلت بورصة تايوان المرتبة الخامسة عالمياً، متجاوزة الهند وبريطانيا وفرنسا، بفضل سهم “تي إس إم سي” لصناعة الرقائق، بينما خرجت جميع بورصات أوروبا من قائمة الكبار.
وفي حديثه إلى برنامج “بزنس مع لبنى” على سكاي نيوز عربية، ربط ليمند بين الحرب الممتدة، وأزمة الطاقة، واحتمالات الركود التضخمي، وتحولات سلوك البنوك المركزية، إضافة إلى التقييمات المرتفعة لأسهم التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، معتبراً أن الأسواق تواجه مرحلة مختلفة عن التوقعات السابقة.
الذهب يفقد صفة “الملاذ الآمن“
اعتبر ليمند أن الذهب لم يعد يؤدي الدور التقليدي كملاذ آمن، موضحاً أنه أصبح جزءاً أساسياً من المحافظ الاستثمارية للمؤسسات الكبرى. وقال إن تراجع الأسهم خلال الحرب دفع بعض المحافظ إلى بيع الذهب لتغطية متطلبات الهامش، باعتباره الأصل الأكثر ربحية والقابل للتسييل.
وأضاف أن البنوك المركزية بدأت التحضير لما وصفه بمرحلة قد تشهد ركوداً اقتصادياً وربما ركوداً تضخمياً، ما دفع بعضها إلى تعزيز السيولة بدلاً من زيادة مشتريات الذهب.
وأشار إلى أن بنوكاً مركزية خفّضت مشترياتها، فيما لجأت مؤسسات أخرى، مثل البنك المركزي التركي، إلى بيع الذهب لدعم السيولة والعملة المحلية، في حين يواصل البنك المركزي الصيني شراء كميات كبيرة من المعدن النفيس.
ورجّح ليمند أن يعاود الذهب الارتفاع في حال توقفت الحرب وجرى التوصل إلى اتفاق، معتبراً أن الذهب بات يتحرك بصورة مشابهة لبقية الأصول الاستثمارية.
أكبر صدمة طاقة في التاريخ
وفي أحد أبرز محاور حديثه، قال ليمند إن العالم يمر حالياً بـ”أكبر صدمة طاقة بتاريخ البشرية”، محذراً من أن تداعياتها لم تظهر بالكامل بعد.
وأوضح أن أسعار النفط الظاهرة على الشاشات لا تعكس الكلفة الحقيقية للطاقة، مشيراً إلى أن سعر البرميل الفعلي، مع تكاليف النقل والتشغيل، وصل خلال ذروة الأزمة إلى نحو 175 دولاراً، رغم أن الأسعار المتداولة تراوحت بين 100 و120 دولاراً للبرميل.
وأضاف أن عدداً من مصافي النفط والغاز لا يزال متوقفاً، وأن إعادة تشغيلها تحتاج إلى أشهر، كما أن عودة الملاحة البحرية إلى طبيعتها تتطلب وقتاً إضافياً. وأشار كذلك إلى أن بعض مراكز البيانات في الولايات المتحدة أُغلق بسبب نقص الطاقة.
وبحسب ليمند، فإن المخزونات النفطية لدى عدد من الدول، وفي مقدمتها الصين، لعبت دوراً رئيسياً في امتصاص صدمة الأسعار ومنع النفط من الوصول إلى مستويات 200 و300 دولار للبرميل.
لكنه حذّر في المقابل من محدودية هذه المخزونات، موضحاً أن معظم الدول تمتلك احتياطيات تكفي لفترة تتراوح بين ثلاثة وستة أشهر فقط. وأضاف أن بعض الدول الآسيوية بدأت بفرض قيود على استهلاك الوقود، فيما أوقفت شركات طيران رحلات طويلة بسبب نقص الإمدادات.
صدمة تضخمية ومخاوف الركود
وربط ليمند بين أزمة الطاقة واحتمالات الركود التضخمي، مؤكداً أن العالم يعيش بالفعل “صدمة تضخمية”. وقال إن ارتفاع الأسعار سيؤدي إلى ضغوط أكبر على أصحاب الدخل المتوسط والمنخفض.
وأضاف أن البنوك المركزية تواجه معادلة معقدة، إذ إن مواجهة الركود تتطلب ضخ السيولة وتوسيع الميزانيات العمومية، بينما يؤدي ذلك في الوقت نفسه إلى زيادة التضخم.
وأوضح أن الاحتياطي الفيدرالي الأميركي يواجه تحدياً صعباً بين دعم النمو والسيطرة على التضخم، مرجحاً استمرار رفع معدلات الفائدة في عدد من الاقتصادات الكبرى.
طفرة الذكاء الاصطناعي تحت المجهر
وعلى صعيد الأسواق، اعتبر ليمند أن المكاسب الضخمة التي حققتها شركات التكنولوجيا ترتبط بـ”حمّى مراكز البيانات” والطلب المتزايد على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي.
وقال إن الشركات الرابحة فعلياً حتى الآن هي الشركات التي تبيع الرقائق والبنية التحتية، بينما لا تزال شركات الذكاء الاصطناعي نفسها تسجل خسائر رغم التقييمات المرتفعة.
وضرب مثالاً بشركات مثل OpenAI وAnthropic، مشيراً إلى أن المستخدمين يدفعون اشتراكات شهرية منخفضة مقارنة بالكلفة الحقيقية لاستخدام خدمات الذكاء الاصطناعي، فيما يتحمل المستثمرون الفارق عبر تمويل مستمر.
وأشار إلى أن تقييم شركة Anthropic يقترب من 965 مليار دولار رغم أن إيراداتها السنوية تبلغ نحو 50 مليار دولار، مقارنة بشركات كبرى مثل Samsung التي تحقق إيرادات أعلى بكثير رغم قيمة سوقية أقل.
واعتبر ليمند أن جزءاً كبيراً من الرهانات الحالية في قطاع الذكاء الاصطناعي يقوم على توقعات بتحقيق أرباح ضخمة مستقبلاً، مضيفاً أن المستثمرين الأفراد في السوق الأميركية يتجهون بصورة متزايدة إلى المضاربة عبر الخيارات قصيرة الأجل.
تفضيل الأسهم اليابانية والبرازيلية
وفي تقييمه للأسواق العالمية، قال ليمند إنه يفضل الأسهم اليابانية على مؤشر ناسداك الأميركي، مشيراً إلى أن السوق اليابانية حققت أداء قوياً من دون مستويات التقييم المرتفعة نفسها الموجودة في أسهم التكنولوجيا الأميركية.
كما أشار إلى أن السوق البرازيلية تستفيد من عوائد وفوائد مرتفعة مقارنة بعدد من الأسواق الناشئة الأخرى.
وختم ليمند بالإشارة إلى أن الذهب حقق ارتفاعاً من نحو 3300 دولار قبل عام إلى حوالى 4600 دولار حالياً، متفوقاً بذلك على أداء عدد من المؤشرات الرئيسية، في وقت تتزايد فيه المخاوف المرتبطة بالتقييمات المرتفعة في أسواق التكنولوجيا الأميركية.



