فخروج براك من موقعه لا يُقرأ، وفق مقاربة مدير برنامج الشرق الأوسط في المجلس الوطني للعلاقات العربية الأميركية فادي حيلاني، بوصفه تراجعا أميركيا أو مؤشرا على أزمة في إدارة الملف، بل باعتباره انتقالا من مرحلة “الإدارة الاستثنائية” إلى مرحلة دمج سوريا ضمن رؤية أميركية أوسع للشرق الأوسط.
حيلاني، خلال حديثه إلى “غرفة الأخبار” على “سكاي نيوز عربية”، اعتبر أن انتهاء مهام براك يعكس “تحولا واضحا في السياسة الأميركية بالمعنى السياسي”، موضحا أن منصب المبعوث الخاص في النظام الإداري الأميركي يرتبط عادة بملفات مؤقتة أو أزمات محددة تحتاج إلى معالجة استثنائية.
ومن هذا المنطلق، فإن عدم تعيين مبعوث أميركي جديد إلى سوريا يعني، بحسب تقديره، أن واشنطن لم تعد تتعامل مع سوريا باعتبارها “مشكلة قائمة بحد ذاتها”.
من “الأزمة السورية” إلى “العقدة الإقليمية” يرى حيلاني أن المقاربة الأميركية الحالية تنطلق من اعتبار سوريا “جزءا وعقدة محورية في منظومة الشرق الأوسط”، لا ملفا منفصلا عن بقية التوازنات الإقليمية.
ويشير إلى أن واشنطن باتت تنظر إلى الملفات السورية بوصفها متداخلة مع تركيا والعراق، سواء في ما يتعلق بملف الأكراد، أو مكافحة تنظيم داعش، أو التوازنات الأمنية والسياسية الأوسع في المنطقة.
ويشرح أن مرحلة ما بعد سقوط نظام الأسد وما رافقها من مخاوف مرتبطة بعودة النفوذ الإيراني، أو تنامي نشاط داعش وبعض الحركات الجهادية، فرضت الحاجة إلى وجود مبعوث خاص يتولى إدارة هذه التعقيدات. كما لعب توم براك دورا محوريا في تسهيل مسار دمج “قوات سوريا الديمقراطية” ضمن مؤسسات الدولة السورية الجديدة، وهو الملف الذي وصفه حيلاني بأنه “قيد الإنجاز” بعد التوصل إلى “خارطة طريق واضحة” بالتنسيق مع الولايات المتحدة.
وفي هذا السياق، يؤكد أن واشنطن تعتبر اليوم أن غالبية هذه الملفات دخلت مرحلة التنفيذ أو المعالجة السياسية، الأمر الذي يقلّص الحاجة إلى وجود مبعوث استثنائي يتولى إدارتها بشكل مباشر.
مقاربة سياسية بدل الانخراط العسكري
وفق قراءة حيلاني، فإن التحول الأبرز في السياسة الأميركية تجاه سوريا يتمثل في الانتقال من المقاربة العسكرية والأمنية إلى المقاربة السياسية والاستراتيجية.
ويشير إلى أن الولايات المتحدة انسحبت عسكريا من سوريا، لكنها في المقابل تحاول الحفاظ على شبكة علاقات سياسية واستراتيجية تتيح تمكين الدولة السورية من إدارة ملفات الأمن ومكافحة الإرهاب بنفسها.
ويضيف أن واشنطن لا تريد أن تبقى العلاقة مع دمشق قائمة على التدخل المباشر أو الإدارة الأميركية اليومية للتفاصيل الأمنية، بل على دعم الدولة السورية سياسياً وعسكرياً وأمنياً لتكون قادرة على التعاطي مع تلك الملفات بصورة مستقلة.
كما يربط حيلاني هذا التحول بالرؤية الأميركية الأشمل للشرق الأوسط، والتي تقوم ـ بحسب توصيفه ـ على بناء نظام إقليمي قائم على العلاقات الاقتصادية والتجارة والذكاء الاصطناعي، مع اعتبار سوريا نقطة محورية ضمن هذا المشروع، لا ساحة نزاع مستقلة كما كانت في المقاربات السابقة.
مفاوضات مباشرة مع إسرائيل
وفي سياق المقاربة الأميركية الجديدة، يلفت حيلاني إلى أن واشنطن تدفع باتجاه العلاقات والمفاوضات المباشرة بين دول المنطقة وإسرائيل، من دون الحاجة الدائمة إلى مبعوثين أميركيين خاصين.
ويستشهد بالنموذج اللبناني، حيث تقوم الولايات المتحدة بتيسير المفاوضات المباشرة بين الحكومة اللبنانية وإسرائيل من دون وجود مبعوث خاص لإدارة الملف.
وبحسب رؤيته، فإن سوريا تُدفع أيضاً نحو هذا المسار، مشيراً إلى أن الأشهر الماضية شهدت بداية اتصالات ومفاوضات مباشرة مع الجانب الإسرائيلي، وسط توقعات بأن تحمل المرحلة المقبلة مزيداً من هذا النوع من التفاوض.
ويعتبر أن هذا التوجه يعكس فلسفة أميركية تقوم على “تمأسس” العلاقات الإقليمية وإخراج الملفات من الإدارة الاستثنائية إلى العلاقات الحكومية المباشرة.
لا أزمة مع توم براك
وفي معرض تعليقه على الانتقادات التي طالت توم براك عبر وسائل التواصل الاجتماعي، شدد حيلاني على أن انتهاء مهمته لا يرتبط بأي تحفظ أميركي على أدائه أو طريقة تعاطيه مع الملفات السورية واللبنانية. بل يرى أن تعيين مبعوث جديد كان سيعني فعلياً وجود مشكلة أو عدم رضا أميركي عن نتائج المهمة السابقة.
ويؤكد أن براك سيواصل عمله كسفير للولايات المتحدة في تركيا، وهو موقع يمنحه دورا محوريا في متابعة الملفات المتداخلة بين أنقرة ودمشق وبغداد، خصوصا ما يتعلق بمكافحة داعش، وملف الأكراد، والتوازنات الإقليمية.
كما يشير إلى أن واشنطن تريد دورا تركيا فاعلا داخل سوريا، لكن من دون أن يتحول ذلك إلى نفوذ يتعارض مع التوازنات الإقليمية الأخرى، بما فيها الحضور الإسرائيلي داخل المشهد السوري.
ويختم حيلاني قراءته بالتأكيد على أن المرحلة المقبلة يجب أن تتجه نحو “تمأسس” العلاقة بين سوريا والولايات المتحدة عبر القنوات الدبلوماسية التقليدية، معتبرا أن المطلوب مستقبلا هو وجود سفير أميركي في دمشق وسفير سوري في واشنطن، بما يعكس انتقال العلاقة من إدارة أزمة مؤقتة إلى علاقة بين دولتين ضمن منظومة إقليمية أوسع.



