الجزيرة التي كانت في الماضي قاعدة عسكرية شديدة التحصين تطل على مدخل البحر الأدرياتيكي، أصبحت اليوم محور اهتمام سياسي وسياحي وبيئي، مع تصاعد الجدل حول مستقبلها بين وعود الاستثمار الضخم ومخاوف الإضرار بطبيعتها البكر.
حارسة الأدرياتيكي
تقع جزيرة سازان عند مدخل خليج فلورا جنوب غربي ألبانيا، في نقطة استراتيجية تربط بين البحر الأدرياتيكي والبحر الأيوني عبر قناة أوترانتو، وهي منطقة لطالما جذبت القوى الكبرى عبر التاريخ بسبب أهميتها العسكرية والجغرافية.
ورغم أن مساحة الجزيرة لا تتجاوز نحو 6 كيلومترات مربعة، فإن موقعها جعلها هدفاً للرومان والعثمانيين والإيطاليين والألمان، قبل أن تتحول خلال الحقبة الشيوعية إلى واحدة من أكثر المناطق العسكرية تحصيناً في أوروبا الشرقية.
وخلال خمسينيات القرن الماضي، فتح الزعيم الألباني أنور خوجا الجزيرة أمام السوفييت لتصبح قاعدة مراقبة متقدمة في البحر المتوسط، حيث نُسب إلى الزعيم السوفييتي نيكيتا خروتشوف قوله خلال زيارة للجزيرة عام 1958: “من هنا يمكنني مراقبة البحر المتوسط حتى جبل طارق”.
وتضم الجزيرة حتى اليوم أنفاقاً عسكرية وملاجئ مضادة للأسلحة النووية ومستودعات مهجورة وبقايا تحصينات خرسانية تعكس طبيعة المرحلة التي عاشت فيها ألبانيا تحت هاجس الحرب والغزو.
رحلة سباحة تتحول إلى مشروع بمليارات الدولارات
القصة الحديثة للجزيرة بدأت، وفق ما كشفته إيفانكا ترامب، خلال رحلة استكشافية غير مخطط لها.
وقالت ابنة الرئيس الأميركي دونالد ترامب في مقطع فيديو انتشر على نطاق واسع: “أعمل مع زوجي على مشروع مذهل في البحر المتوسط. إنه ضخم… جزيرة مساحتها 1400 هكتار في قلب البحر المتوسط. توقفنا للسباحة وهناك اكتشفناها. سبحنا إلى الجزيرة، وصعدنا إلى القمة، وأُصبنا بالانبهار”.
ذلك “الانبهار”، كما وصفته إيفانكا، تحول لاحقاً إلى خطة استثمارية ضخمة يقودها جاريد كوشنر عبر شركات مرتبطة به، بهدف تحويل الجزيرة إلى وجهة سياحية فاخرة تستقطب الأثرياء من أنحاء العالم.
ماذا يخطط كوشنر وإيفانكا لبنائه؟
بحسب الخطط الأولية والموافقات الحكومية الألبانية، يتضمن المشروع إنشاء:
- فنادق ومنتجعات فاخرة
- فيلات خاصة مطلة على البحر
- مرسى لليخوت الفاخرة
- مرافق ترفيهية وشاطئية حصرية
- بنية تحتية سياحية متطورة
- مشاريع لإعادة تأهيل الطبيعة وتنظيف المواقع العسكرية القديمة
ويُنظر إلى المشروع باعتباره واحداً من أكبر الاستثمارات السياحية في تاريخ ألبانيا الحديث، خصوصاً مع تزايد الاهتمام العالمي بـ”الريفيرا الألبانية” التي تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى وجهة بديلة أقل كلفة وأكثر هدوءاً مقارنة بمناطق أوروبية شهيرة مثل الريفييرا الفرنسية أو السواحل الإيطالية.
من قواعد الحرب الباردة إلى “سياحة النخبة”
يرى مسؤولون ألبان أن المشروع يمثل فرصة استثنائية لتحويل الجزيرة من عبء عسكري مهجور إلى محرك اقتصادي وسياحي ضخم.
ومنحت الحكومة الألبانية صفة “المستثمر الاستراتيجي” لشركة مرتبطة بمشروع كوشنر، ما أتاح بدء مراحل التقييم البيئي والتخطيط العمراني.
ويأمل المسؤولون أن يساهم المشروع في جذب شريحة السياحة الفاخرة وخلق نحو ألف فرصة عمل خلال مرحلتي البناء والتشغيل، إلى جانب تسريع نمو القطاع السياحي الذي أصبح أحد أهم مصادر الدخل في البلاد.
كما يعتقد داعمو المشروع أن تطوير الجزيرة قد يضع ألبانيا على خريطة السياحة العالمية الراقية، مستفيدين من الطبيعة البكر والمياه الفيروزية والموقع القريب من إيطاليا واليونان.
الطبيعة في مواجهة الإسمنت
لكن الحماس الرسمي للمشروع يقابله قلق متزايد من جماعات بيئية ومنظمات حماية الطبيعة، التي تخشى من أن يؤدي التطوير العمراني الضخم إلى الإضرار بالنظم البيئية الحساسة في الجزيرة والمناطق الساحلية المحيطة بها.
وتضم الجزيرة تنوعاً بيولوجياً غنياً وشواطئ لم تصلها مشاريع التطوير السياحي الكثيف التي شهدتها أجزاء أخرى من المتوسط، كما تحتوي على موائل طبيعية لأنواع بحرية نادرة.
وطالبت منظمات بيئية بإجراء دراسات أكثر دقة وشفافية قبل المضي قدماً في المشروع، محذرة من أن الجزيرة قد تفقد طابعها الفريد إذا تحولت إلى مركز عمراني ضخم.



