يعكس هذا الانقسام اختلافاً في تقدير المخاطر المستقبلية، بين من يرى أن الضغوط التضخمية لم تُهزم بعد وأن التسرع في التيسير قد يعيد إشعالها، ومن يعتقد بأن دورة التشديد اقتربت من نهايتها وأن الاقتصاد يحتاج إلى قدر محسوب من الدعم النقدي لتفادي تباطؤ أعمق.
يفتح هذا التباين الباب أمام سيناريوهات متعددة لمسار أسعار الفائدة الأميركية خلال الأشهر المقبلة، حيث ستبقى البيانات الاقتصادية – من التضخم إلى التوظيف – هي العامل الحاسم في ترجيح كفة التثبيت أو الخفض، وربما حتى إعادة النظر في خيار الرفع إذا ما تعثّر مسار تراجع الأسعار.
- Advertisement -
تحذير
وحذر صناع السياسة في مجلس الاحتياطي الفيدرالي من أن التقدم نحو هدف التضخم للبنك المركزي “قد يكون أبطأ وأكثر تفاوتاً مما هو متوقع بشكل عام”، وفقاً لمحضر اجتماع تحديد أسعار الفائدة الذي عقد الشهر الماضي.
- أظهر محضر اجتماع لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية الذي عُقد في الفترة من 27 إلى 28 يناير، والذي نُشر يوم الأربعاء، أن صناع السياسات توقعوا أن يستمر التضخم الأميركي في التباطؤ نحو هدفه البالغ 2 بالمئة، حتى مع “بقاء وتيرة وتوقيت هذا الانخفاض غير مؤكدين”.
- جاء في محضر الاجتماع: “لكن معظم المشاركين حذروا من أن التقدم نحو هدف اللجنة البالغ 2 بالمئة قد يكون أبطأ وأكثر تفاوتًا مما هو متوقع بشكل عام، ورأوا أن خطر استمرار التضخم فوق هدف اللجنة أمر ذو مغزى”.
وأوضح محضر اجتماع يوم الأربعاء أن معظم أعضاء اللجنة أيدوا أنه من المرجح أن تبقي أسعار الفائدة ثابتة في المستقبل المنظور ، حيث أشار صناع السياسات إلى أنه “من المرجح أن يكون من المناسب الإبقاء على سعر الفائدة ثابتاً لبعض الوقت بينما تقوم اللجنة بتقييم البيانات الواردة بعناية”.
وقد رأى بعضهم أن “التيسير الإضافي للسياسة النقدية قد لا يكون مبرراً حتى يكون هناك مؤشر واضح على أن التقدم في خفض التضخم قد عاد بقوة إلى المسار الصحيح”. وذهب العديد من الأعضاء إلى أبعد من ذلك، مشيرين إلى أن رفع سعر الفائدة “قد يكون مناسباً إذا ظل التضخم أعلى من المستويات المستهدفة”، بحسب ملخص المحضر الذي نشرته فايننشال تايمز.
أشارت محاضر اجتماع الأربعاء إلى أن الاحتياطي الفيدرالي كان يركز على جانب التضخم من ولايته نظراً لأن “جميع الأعضاء تقريباً لم يعودوا يرون أن مخاطر انخفاض فرص العمل قد ارتفعت في الأشهر الأخيرة”.
وفيما يتعلق بسوق العمل، الذي عانى من ضعف التوظيف في عام 2025، اتفق واضعو أسعار الفائدة بشكل عام على أن البيانات الحديثة “تشير إلى أن ظروف سوق العمل قد تكون مستقرة بعد فترة من التباطؤ التدريجي”.
- Advertisement -
في سياق متصل، كان صناع السياسات واثقين عموماً من أن تأثير الرسوم الجمركية على الأسعار سينخفض هذا العام، بينما أشار البعض إلى أن تضخم أسعار المساكن من المرجح أن يستمر في الانخفاض. كما ذكر عدد من الأعضاء أن ارتفاع نمو الإنتاجية نتيجة للتطورات التكنولوجية من شأنه أن يساعد في كبح جماح ارتفاع الأسعار.
لكن صناع السياسات أكدوا أن انخفاض نمو الأسعار قد يكون أبطأ مما كان متوقعاً، حيث أشار البعض إلى تقارير من جهات اتصال تجارية توقعت أن تستمر التعريفات الجمركية وضغوط الطلب في تأجيج ارتفاع الأسعار.
تركيز على البيانات
يقول المدير التنفيذي لمركز كوروم، طارق الرفاعي، لموقع “اقتصاد سكاي نيوز عربية”:
- Advertisement -
- محاضر الاجتماع الأخير للجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة التابعة لـمجلس الاحتياطي الفيدرالي تعكس استمرار تركيز صناع السياسة النقدية على إعادة التضخم بشكل مستدام إلى مستوى 2 بالمئة، مع إدراك واضح لتباطؤ الزخم الاقتصادي وتباين مؤشرات سوق العمل.
- النقاشات أظهرت انقساماً نسبياً بين الأعضاء؛ فبينما شدد عدد منهم على ضرورة الإبقاء على أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول كإجراء احترازي يمنع عودة الضغوط التضخمية، أبدى آخرون قلقاً متزايداً حيال المخاطر التي قد تهدد النمو الاقتصادي ومستويات التوظيف في حال استمرار التشديد لفترة ممتدة.
- مسألة توقيت خفض أسعار الفائدة كانت حاضرة في النقاش، لكن من دون أي استعجال لاتخاذ خطوة فورية، ما يعكس توجهاً حذراً يعتمد بشكل كامل على تطور البيانات الاقتصادية خلال الأشهر المقبلة.
ويشدد على أن الرسالة الأساسية من المحضر هي أن خفض الفائدة لا يزال خياراً قائماً في وقت لاحق من العام، لكنه مشروط باستمرار تراجع معدلات التضخم بصورة مستقرة، ومن دون ظهور موجة جديدة من الضغوط السعرية قد تعيد خلط الأوراق أمام صناع القرار.
خفض الفائدة
وكانت لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية قد صوتت الشهر الماضي على تثبيت تكاليف الاقتراض بعد ثلاثة تخفيضات متتالية بمقدار 0.25 نقطة مئوية، مما أبقى سعر الفائدة على الأموال الفيدرالية ضمن نطاق يتراوح بين 3.5 و3.75 بالمئة. وقد عارض اثنان من المحافظين القرار، وصوّتا بدلاً من ذلك لصالح تخفيض إضافي بمقدار ربع نقطة مئوية.
وقال رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي جاي باول بعد اجتماع يناير إن اللجنة من المرجح أن تبقي أسعار الفائدة ثابتة في المستقبل المنظور حيث انخفض التضخم بشكل طفيف وأظهر سوق العمل “دليلاً على الاستقرار”.
وأظهر تقرير صدر الأسبوع الماضي أن الاقتصاد الأمريكي أضاف 130 ألف وظيفة في يناير، وهو أقوى أداء له منذ أكثر من عام.
وفي سياق البيانات التي يراقبها الفيدرالي، انخفض التضخم تدريجياً خلال الأشهر الأخيرة، ولكنه لا يزال أعلى من المستوى المستهدف من قبل الاحتياطي الفيدرالي. وارتفع مؤشر أسعار نفقات الاستهلاك الشخصي، وهو المؤشر المفضل لدى البنك المركزي، بمعدل سنوي قدره 2.8% في نوفمبر. كما ارتفع مؤشر منفصل لأسعار المستهلكين بمعدل 2.4% في يناير.
المفاجأة الأبرز
يقول رئيس قسم الأسواق العالمية في Cedra Markets، جو يرق، لموقع “اقتصاد سكاي نيوز عربية”:
- المفاجأة الأبرز في الخطاب الأخير الصادر عن مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي تمثلت في غياب أي تلميح واضح إلى إمكانية خفض أسعار الفائدة خلال الفترة القريبة المقبلة.
- رئيس الفيدرالي جيروم باول لم يأتِ على ذكر هذا الاحتمال لا من قريب ولا من بعيد، كما أن أيّاً من الأعضاء خلال الأسبوعين الماضيين لم يلمّح إلى توجه تيسيري وشيك.
- الأسواق كانت تتوقع إشارات أكثر مرونة، لا سيما في ظل بعض الآراء السابقة التي تحدثت عن احتواء الضغوط بما يسمح بخفض الفائدة مستقبلاً، إلا أن الخطاب الأخير حمل نبرة حذرة.
- وصف أداء سوق العمل بـ”المقبول” يعكس استمرار متانة نسبية في البيانات الاقتصادية، بينما يبقى التركيز الأساسي منصباً على التضخم، الذي لا يزال بعيداً عن مستهدف الفيدرالي البالغ 2 بالمئة.
- هذا التشدد النسبي دفع الأسواق إلى إعادة تسعير توقعاتها.
ويضيف يرق أن أرقام التضخم الأخيرة، رغم إظهارها تباطؤاً، قد تكون مشوهة بعوامل مؤقتة، من بينها تأثيرات الإغلاقات السابقة، ما يجعل قراءة الاتجاه الحقيقي للأسعار أكثر تعقيداً. كما يلفت إلى أن الرسوم الجمركية والتكاليف المتراكمة قد تبدأ بالانعكاس بشكل أوضح على المستهلك الأميركي خلال الأشهر المقبلة، بعدما كانت الشركات تتحمل الجزء الأكبر من هذه الأعباء.
ويختم بالقول إن المرحلة المقبلة ستكون حاسمة لتحديد المسار، في ظل انقسام واضح داخل الفيدرالي يعكس بدوره حالة الاستقطاب الأوسع في الولايات المتحدة، متوقعاً أن تشهد الاجتماعات المقبلة نقاشات حادة حول توجهات السياسة النقدية، خاصة مع اقتراب نهاية ولاية باول وبروز تحديات أمام الرئيس المقبل للاحتياطي الفيدرالي.
مشهد معقد
وإلى ذلك، يقول خبير أسواق المال محمد سعيد، لموقع “اقتصاد سكاي نيوز عربية”:
- محضر الاجتماع الأخير لـ مجلس الاحتياطي الفيدرالي كشف عن مشهد اقتصادي أكثر تعقيداً مما كانت تتوقعه الأسواق.
- الانقسام داخل أروقة الفيدرالي كان العنوان الأبرز في هذا الاجتماع، بشكل لم يُشهد منذ فترة طويلة، إذ فضلت الأغلبية التريث والإبقاء على الفائدة دون تغيير، معتبرين أن السياسة النقدية باتت قريبة من المستوى المحايد.
- التسرع في خفض الفائدة قد يعيد إشعال التضخم الذي لا يزال يتحرك فوق المستهدف، خاصة في ظل تأثير الرسوم الجمركية على أسعار السلع.
في المقابل، يتابع أن هناك تياراً معارضاً داخل اللجنة طالب بخفض فوري بربع نقطة مئوية، خوفاً من أن يؤدي التشدد المفرط إلى الإضرار بسوق العمل، الذي بدأ يُظهر علامات تباطؤ من خلال تراجع وتيرة التوظيف رغم استقرار معدل البطالة.
ويؤكد أن هذا الخلاف يعكس توتراً حقيقياً بين القلق من ركود محتمل في الوظائف والخشية من ترسيخ التضخم. بل ويشير إلى أن بعض الأصوات المتشددة لمّحت إلى إمكانية العودة لرفع الفائدة مجدداً إذا ظلت الأسعار مقاومة للهبوط.
ويضيف سعيد أن النقاشات تناولت أيضاً ملف الذكاء الاصطناعي، حيث ينظر إليه بعض الأعضاء كعامل قد يعزز الإنتاجية ويخفف الضغوط التضخمية على المدى الطويل، بينما يحذر آخرون من احتمالية تشكل فقاعات مالية نتيجة التدفقات الاستثمارية المتسارعة نحو هذا القطاع. ويوضح أن الفيدرالي انتقل فعلياً من مرحلة التخفيضات المسبقة إلى مرحلة الاعتماد الكامل على البيانات الاقتصادية القادمة.
وعن انعكاسات المحضر على الأسواق، يشير إلى أن المستثمرين فهموا أن خفض الفائدة ليس وشيكاً في المدى القصير. ويؤكد أن هذا التوجه يعزز قوة الدولار ويرفع عوائد السندات طويلة الأجل، مما يفرض ضغوطاً على الأسواق الناشئة والاقتصادات المعتمدة على الاستيراد.
ويختتم سعيد حديثه بالقول إن الفيدرالي لن يتحرك نحو خفض الفائدة إلا إذا رأى دليلاً واضحاً على تراجع مستدام للتضخم أو حدوث شرخ حقيقي في سوق العمل، وحتى ذلك الحين سيظل الحذر والترقب هما سيدا الموقف في السياسة النقدية الأميركية.



